ابن أبي الحديد
25
شرح نهج البلاغة
أديبا ، وقد اشتغل بالرياضيات من الفلسفة ، ولم يكن يتعصب لمذهب بعينه - قال جعفر : سألت عما عنده في أمر على وعثمان ، فقال : هذه عداوة قديمة النسب بين عبد شمس وبين بني هاشم ، وقد كان حرب بن أمية نافر عبد المطلب بن هاشم ، وكان أبو سفيان يحسد محمدا صلى الله عليه وآله وحاربه ، ولم تزل الثنتان متباغضتين وإن جمعتهما المنافية . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله زوج عليا بابنته ، وزوج عثمان بابنته الأخرى ، وكان اختصاص رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة أكثر من اختصاصه للبنت الأخرى ، وللثانية التي تزوجها عثمان بعد وفاة الأولى ، واختصاصه أيضا لعلى وزيادة قربه منه وامتزاجه به واستخلاصه إياه لنفسه ، أكثر وأعظم من اختصاصه لعثمان . فنفس عثمان ذلك عليه ، فتباعد ما بين قلبيهما وزاد في التباعد ما عساه يكون بين الأختين من مباغضة أو مشاجرة أو كلام ينقل من إحداهما إلى الأخرى ، فيتكدر قلبها على أختها ، ويكون ذلك التكدير سببا لتكدير ما بين البعلين أيضا ، كما نشاهده في عصرنا وفى غيره من الاعصار ، وقد قيل : ما قطع من الأخوين كالزوجين . ثم اتفق أن عليا عليه السلام قتل جماعة كثيرة من بنى عبد شمس في حروب رسول الله صلى الله عليه وآله ، فتأكد الشنآن ، وإذا استوحش الانسان من صاحبه استوحش صاحبه منه . ثم مات رسول الله صلى الله عليه وآله ، فصبا إلى علي جماعة يسيرة لم يكن عثمان منهم ، ولا حضر في دار فاطمة مع من حضر من المخلفين عن البيعة ، وكانت في نفس علي عليه السام أمور من الخلافة لم يمكنه إظهارها في أيام أبى بكر وعمر ، لقوة عمر وشدته ، وانبساط يده ولسانه ، فلما قتل عمر وجعل الامر شورى بين الستة ، وعدل عبد الرحمن بها عن علي إلى عثمان ، لم يملك على نفسه ، فأظهر ما كان كامنا ، وأبدى ما كان مستورا ، ولم يزل الامر يتزايد بينهما ، حتى شرف وتفاقم ، ومع ذلك فلم يكن علي عليه السلام لينكر من أره إلا منكرا ، ولا ينهاه إلا كما تقتضي الشريعة نهيه عنه ، وكان عثمان مستضعفا في نفسه ، رخوا قليل الحزم ، واهي العقدة ، وسلم عنانه إلى